نبذه عن سيبويه

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نبذه عن سيبويه

مُساهمة من طرف abdo awad في الإثنين أغسطس 18, 2008 12:02 pm

مقدمة :

إن اللغة العربية كالبحر العظيم الغائر لا تحده حدود ، ولا تعرف له عمقاً ، ومن هذه اللغة خرجت الفنون الأدبية وعلوم الحديث وعلوم الكلام ، فمنذ أمد بعيد اشتهر العرب بفصاحتهم وبيانهم وتفوقهم على باقي أهل الأرض في الفنون اللغوية وعلوم الكلام إلى أن جاء الإسلام ليصبح للغة العربية مكانة خاصة تتزاهى وتتفاخر بها فأعظم معجزة عرفها البشر وهي القران الكريم نزلت بهذه اللغة العظيمة حتى صار تعلم الدين الإسلامي واعتناقه يتطلب معرفة وفهم للكلمات والمفردات العربية بل ويتطلب في بعض الأحيان الغوص في أعماق اللغة ومعرفة خباياها وأسرارها حتى أصبح لهذه اللغة أنصار ومحبون من غير العرب ، يحبونها ويتغزلون في مدحها وصدق الشاعر الذي قال :

لغتي وما لك في الجمال مثيل ... لغتي وما لك في البهاء عديل

رقراقة كالسلسبيل ترقرقاً .... كالجدول المختال حين يسيل

فكان لهذه اللغة علماء وفنانون عرب وعلماء وأعلام أعجميون عرَّبـهم الإسلام , حتى كان منهم أصحاب المؤلفات الرائعة , في قواعد اللغة العربية وفي بلاغة القرآن الكريم بل إن أعظم كتاب في النحو العربي هو كتاب سيبويه الفارسي الذي يعد أعظم رجالات اللغة العربية وأحد علمائها الأوائل مع الخليل بن أحمد الفراهيدي وأبو الأسود الدؤلي وغيرهم .. ومن خلال هذا البحث المتواضع نعرف بهذا الرجل ونشأته ونتحدث عن أهم أعماله ومؤلفاته وجهوده في وضع القواعد والأسس اللغوية والنحوية ونتحدث عن كتابه الذي أصبح مرجعاً لكل النحويين وطلاب العلم ويكفي سيبويه فخراً أن كتابه سمي من بعده باسم ( قرآن النحو ).

من هو سيبويه ؟

هو أبو بشر عمر بن عثمان بن قمبر مولى بن الحارث بن كعب وقيل: مولى الربيع بن زياد الحارث البصري ، وقد اشتهر بلقب (سيبويه) الذي غطى على إسمه وكنيته بل وتخلد إسمه حتى وقتنا الحاضر بسيبويه حتى صار يضرب به المثل في الفصاحة ومعرفة الأصول والقواعد اللغوية والنحوية ولذلك لقب بحجة النحويين !

وسيبويه فارسي الأصل حيث لد في حدود عام (140هـ / 756 م ) على أرجح الأقوال في مدينة البيضاء ببلاد فارس، وهي أكبر مدينة في إصطخر وتقع على بعد ثمانية فراسخ من شيراز ( إيران حالياً ) وقال غيرهم أنه ولد في مدينة ( سارة ) ببلاد فارس.

وقد كانت أمه تحب أن تراقصه وتدلـله في الصغر فكانت تناديه ( سيبويه ) ، وهي كلمة فارسية مركبة وتعني "رائحة التفاح" ، حيث أن السِّيْب هو : التفاح ، و وَيْه : رائحته ، أي : رائحة التفاح ، وقيل سمي بسيبويه لجماله وحمرة بوجنتيه ..

بدايته مع العلم

مع امتداد الدولة العباسية وتوسعها جاء سيبويه من مدينة البيضاء ببلاد فارس إلى البصرة في العراق وهو غلام صغير؛ لينشأ بها قريبًا من مراكز السلطة والعلم، وذلك بعد أن أفسحت الدولة العباسية المجال للفرس والأعاجم كي يتولوا أرفع المناصب وأعلاها ، ويرى بعض الباحثين أن سيبويه وفد إلى البصرة بعد سن الرابعة عشرة، وهذا الرأي هو ما يرجحه الكثيرون وذلك لأن الناظر والمتفحص في كتاب سيبويه يوقن أن صاحبه كان على دراية كبيرة باللغة الفارسية وكأنها لغته الأم.

عندما قدم سيبويه إلى البصرة التي كانت حاضرة العلم والثقافة والأدب وكانت تعج بكبار الأئمة والعلماء والفقهاء أخذ ينهل من مناهل العلم والأدب والحديث ، وقد كان سيبويه وقتها ما زال فتى يافعاً يدرج مع أقرانه إلى مجالس العلماء والمحدثين فيتلقى في ربوع البصرة الفقه والحديث، وقد قال ابن عائشة :في ذكر سيبويه : كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد ، وكان شابا نظيفا جميلا ، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب من كل أدب بسهم، مع حداثة سنه وبراعته في النحو.

وقال محمد بن سلام : كان سيبويه جالسا في حلقة بالبصرة فتذاكرنا شيئاً من حديث قتادة فذكـَــرَ حديثا غريبا وقال : لم يرو هذا الحديث إلا سعيد بن أبي العروبة .

فقال له بعض ولد جعفر : ماهاتان الزيادتان يا أبا بشر ؟
فقال : هكذا يقال ، لأن العروبة يوم الجمعة ، فمن قال عروبة فقد أخطأ.
قال ابن سلام : فذكرت ذلك ليونس بن حبيب فقال : أصاب ، لله درّه.



ومما روي عنه أنه ذات يوم ذهب إلى شيخه حماد البصري ليتلقى منه الحديث ويستملي منه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء…"

ولكن سيبويه أخطأ لقدر قدره الله له، وهو يقرأ حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرأ الحديث على هذا النحو: "ليس من أصحابي أحد إلا ولو شئت لأخذت ليس أبو الدرداء …"

فصاح به شيخه حماد : لَحَنْتَ يا سيبويه، إنما هذا استثناء؛ فقال سيبويه: والله لأطلبن علمًا لا يلحنني معه أحد، ثم مضى ولزم الخليل بن أحمد الفراهيدي وغيره. ومن هنا كانت البداية الحقيقية للغلام الصغير سيبويه ليصبح بعدها إمام المتقدمين والمتأخرين في النحو وإمام النحاة الذي إليه يرجعون، وعلم النحو ونبراسه والذي إليه ينظرون، وصاحب كتاب النحو الذي سيبقى خالداً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها أو إلى أن يحدث الله أمراً كان مفعولا .



شيوخه ومعلموه :

تتلمذ سيبويه على يد العديد من كبار الشيوخ والعلماء الذين عاشوا في عصره إبان الدولة العباسية ، ونخص منهم أربعة من علماء اللغة ..

أولهم : عبقري العربية وإمامها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو أكثرهم تأثيرًا فيه، ، دون سائر أساتذة سيبويه حيث كان الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب ( العربية ) ومنشىء علم العروض ومؤلف كتاب العين وأحد أعظم أساتذة النحو واللغة في عصره .

وقد أخذ «الخليل بن أحمد» العلم عن «أبي عمرو بن العلاء» والذي كان علماً في القراءة والعربية، والذين يترجمون الخليل يجمعون على انه كان من الزاهدين، المنقطعين إلى الله، وكان إماماً في العربية، كما كان الغاية في استخراج مسائل النحو، وتصحيح القياس، كما كان أول من استنبط علم العروض الذي لم يأخذه عن أستاذ قبله.

وقد كان «الخليل بن أحمد الفراهيدي» السباق إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على مخارج حروف الهجاء، وكانت بين يديه الحروف العربية، وهي الأبجدية، أي: أبجد هوز، حطي كلمن.

ولذلك استفاد سيبويه ايما استفادة من معلمه الخليل فقد روى عنه سيبويه في الكتاب 522 مرة، وهو قدر لم يروِ مثله ولا قريبًا منه عن أحد من أساتذته، وهو ما يجسد خصوصية الأستاذية التي تفرد بها الخليل بن أحمد رحمه الله .

ويقول ابن النطاح في حب الخليل لمجالسة سيبويه : كنت عند الخليل ابن أحمد فأقبل سيبويه فقال الخليل : مرحبا بزائر لا يمل.
فقال أبو عمر المخزومي وكان كثير المجالسة للخليل : ما سمعت الخليل يقولها لأحد إلا لسيبويه !

وثاني معلمي سيبويه هو أبو الخطاب الأخفش، وفي النحويين ‏(‏أخافش‏)‏ ثلاثة مشهورون‏:‏ أكبرهم‏:‏ ‏(‏أبو الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد‏)‏، وهو الذي ذكره ‏(‏سيبويه‏)‏ في كتابه‏.‏ والثاني‏:‏ ‏(‏سعيد بن مسْعَدة أبو الحسن‏)‏، الذي يروى عنه كتاب ‏(‏سيبويه‏)‏، وهو صاحبه‏.‏ والثالث‏:‏ ‏(‏أبو الحسن علي بن سليمان‏)‏، صاحب أبوي العباس النحويين‏:‏ ‏(‏أحمد بن يحيى الملقب بثعلب‏)‏، و‏(‏محمد بن يزيد الملقب بالُمبرِّد‏)‏‏ ، كما أن أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ قد أخذ علومه عن أبو الخطاب الأخفش .

وثالث معلمي سيبوبه العلامة عيسى بن عمرو، ورابعهم: أبو زيد النحوي ، كما أخذ سيبويه العلم عن يونس بن حبيب وغيرهم من علماء وشيوخ الدولة العباسية في البصرة .

ومن الغريب في حياة سيبويه العلمية أنه لما مات - رحمه الله – كان أغلب شيوخه ومعلميه مازالوا على قيد الحياة !

سيبويه والكسائي ومؤامرة تحاك :

في البداية نتعرف على الكسائي ونقول أن يكنى بأبو الحسن , واسمه علي بن حمزة بن عبد الله الكسائي الأسدي , وهو إمام نحاة الكوفة وانتهت إليه رئاسة الإقراء بالكوفة بعد حمزة الزيات , و بلغ عند هارون الرشيد منزلة عظيمة, وقد كان الناس يأخذون عنه ألفاظه بقراءته عليهم , و ينقطون مصاحفهم بقراءته وقد اجتمعت في الكسائي أمور: كان أعلم الناس بالنحو وأوحدهم في الغريب وكان أوحد الناس في القرآن فكانوا يكثرون عليه حتى لا يضبط الأخذ عليهم فيجمعهم في مجلس و يجلس على كرسي ويتلو القرآن من أوله إلى آخره وهم يسمعون ويضبطون عنه حتى المقاطع والمبادئ ..



وقد كان سيبويه إمام النحويين في البصرة بينما كان الكسائي أمامهم في الكوفة ، وكان كل منهما مرجعاً وأستاذاً في علم النحو واللغة فكان بينهما هذه القصة التي تسمى ب ( المسألة الزنبورية ) والتي انتهت بها حياة سيبويه ..

فيقول راوي القصة :

إن الأشجار المثمرة هي وحدها التي تُلقى بالحجــارة ، ويبدو أن هذا القانون يمتد أيضًا إلى دنيا البشر، فكثيرًا ما يتعرض العلماء لجهالة الجهلاء وللأحقاد والأضغان، ولكن الغريب حقًّا أن يتزعم المؤامرة عالم له ثِقْله وقيمته في دنيا اللغة، ولكن هكذا اقتضت حكمة الله أن الكمال لله وحده، وأن لكل عالم هفوة، ولكل جواد كبوة.

تحدثنا المصادر أن سيبويه بقي في البصرة منذ دخلها إلى أن صار فيها الإمام المقدم، وأن شهرته قد لاحت في الآفاق، وأنه دعي إلى بغداد حاضرة الخلافة آنذاك من قبل البارزين فيها والعلماء، وهناك أعدت مناظرة بين كبيري النحاة: سيبويه ممثلاً لمذهب البصريين والكسائي عن الكوفيين، وأُعلن نبأ المناظرة، وسمع عنها القريب والبعيد، ولكن الأمر كان قد دُبِّر بليل، فجاء الكسائي وفي صحبته جماعة من الأعراب، فقال لصاحبه سيبويه: تسألني أو أسألك؟

فقال سيبويه: بل تسألني أنت.

قال الكسائي: كيف تقول في: قد كنت أحسب أن العقرب أشد لسعة من الزُّنْبُور(الدبور)، فإذا هو هي، أو فإذا هو إياها بعينها؟ ثم سأله عن مسائل أخرى من نفس القبيل نحو: خرجت فإذا عبد الله القائمُ أو القائمَ؟

فقال سيبويه في ذلك كله بالرفع، وأجاز الكسائي الرفع والنصب، فأنكر سيبويه قوله؛ فقال يحيى بن خالد، وقد كان وزيرًا للرشيد: قد اختلفتما وأنتما رئيسا بلديكما، فمن يحكم بينكما؟

وهنا انبرى الكسائي منتهزًا الفرصة: الأعراب، وهاهم أولاء بالباب؛ فأمر يحيى فأدخل منهم من كان حاضرًا، وهنا تظهر خيوط المؤامرة وتأتي بثمارها؛ فقالوا بقول الكسائي؛ فانقطع سيبويه واستكان، وانصرف الناس يتحدثون بهذه الهزيمة التي مُني بها إمام البصريين.

وكان سيبويه لا يتصور بفطرته النقية أن يمتد الشر مدنسًا محراب العلم والعلماء؛ فحزن حزنًا شديدًا وقرر وقتها أن يرحل عن هذا المكان إلى أي مكان آخر ليس فيه حقد ولا أضغان؛ فأزمع الرحيل إلى خراسان. وكأنما كان يسير إلى نهايته؛ فقد أصابه المرض في طريق خراسان، ولقي ربه وهو ما زال في ريعان الشباب، لم يتجاوز عمره الأربعين، وذلك سنة (180هـ/ 796م) على أرجح الأقوال.

تلاميذ سيبويه :

من الصعوبة بمكان أن نحصي تلاميذ سيبويه، خاصة لو وضعنا في اعتبارنا أن كل النحاة الذين جاءوا بعد سيبويه وتعلموا أسسه وغاصوا في بحور لغتنا الجميلة قد مروا على كتابه، ولكن لو تعرضنا للتلاميذ بالمعنى الحرفي فإننا نقول: برز من بين تلاميذ سيبويه عالمان جليلان هما:

الأخفش الأوسط

هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري. أبو الحسن، اشتهر باسم الأخفش الأوسط (والأخفش هو من كان في بصره ضعف وفي عينيه ضيق) . نحوي عالم باللغة والأدب، من علماء البصرة . أخذ العربية عن سيبويه وقام بتدريس كتابه. زاد في بحور الشعر بحر (الخبب) ، وكان الخليل بن أحمد جعل البحور خمسة عشر فأصبحت ستة عشر. كان معتزليا، عالما بالكلام، حاذقا في الجدل. من تصانيفه: غريب القرآن، تفسير معاني القرآن، معاني الشعر، كتاب العروض، كتاب الاشتقاق، كتاب الأصوات، كتاب الملوك، كتاب المقاييس، كتاب الأوسط في النحو، كتاب المسائل الكبير والمسائل الصغير، غريب الموطأ. توفي عن 75 سنة.

وقطرب (أبو محمد بن المستنير المصري)

. هو محمد بن المستنير بن أحمد، من أهل البصرة من الموالي. أبو علي، الشهير بقطرب. ولد في البصرة وأخذ النحو عن سيبويه والبصريين، وأخذ علم الكلام عن النظام، وكان يتبع مذهب الاعتزال. نحوي عالم بالأدب واللغة، وهو أول من وضع (المثلث) في اللغة. كان مؤدبا لأبناء أبي دلف العجلي. دعاه أستاذه سيبويه بقطرب، والقطرب دويبة لا تستريح نهارا سعيا، وذلك أنه كان يبكر إلى سيبويه فيفتح سيبويه الباب فيجده هناك فيقول: ما أنت إلا قطرب من تصانيفه: معاني القرآن، غريب الحديث، النوادر، الأضداد، الأزمنة، تفسير القرآن على مذهب المعتزلة. كتاب الرد على الملحدين، في تشابه القرآن (وهي الآيات التي تعالج موضوعات هي في الأصل موضع جدل بين العلماء) . كتاب الهمزة، الاشتقاق، الأصوات، كتاب خلق الإنسان، كتاب الصفات، كتاب القوافي، العلل في النحو، المثلث في اللغة (جمع في أسماء ثلاثية يأتي أولها مفتوحا ومكسورا ومضموما، فيدل على معاني مختلفة) .

منهج سيبويه في النحو

مثلما ذكرنا فقد تخرج «سيبويه» على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي وعنه أخذ وكل ما يحكيه «سيبويه» في كتابه، وقد كان «الخليل بن أحمد الفراهيدي» السباق إلى تدوين اللغة وترتيب ألفاظها على مخارج حروف الهجاء، وكانت بين يديه الحروف العربية، وهي الأبجدية، أي: أبجد هوز، حطي كلمن.

فبدأ بترتيب الحروف ابتداء من حرف ( العين ) وقد سمى الخليل كتابه هذا باسم أول حرف اعتمده، وهو حرف العين، وقد جاء بعده من حذا حذوه. وإذا كان «الخليل» أول واضع للكلام العربي في صورة معجمة فقد اعتمد على ما ذكره الصرفيون من قبل في حصر لأبنية الكلمة وجعلها إما ثنائية أو ثلاثية أو رباعية أو خماسية.

ولكننا نقول إن علم النحو ليس علماً عقلياً ، بمعنى أن سيبويه ـ مثلاً ـ لم يعتمد على التفنن العقلي في تقرير قواعد النحو .

إن علم النحو مبنى على الاستقراء فسيبويه ـ مثلاً ـ أخذ يحلل كل النصوص الواردة عن العرب ، من شعر وخطابة ونثر وغير ذلك ، فوجد أنهم ـ العرب ـ دائماً يرفعون الفاعل في كلامهم ، فاستنبط من ذلك قاعدة " الفاعل مرفوع " .. وهكذا نتجت لدينا " قاعدة نحوية " تسطر في كتب النحو ، ليتعلمها الأعاجم فيستقيم لسانهم بالعربية إذا جرت عليه .
أفلو كان سيبويه وجد العرب ينصبون الفاعل ، أكنا سنجد كتاب القواعد النحوية في الصف الثالث الإعدادي ، يخبرنا بأنه يجب علينا نصب الفاعل كلما وجدناه ؟ بلا .. إن علم النحو مبنى على الاستقراء .. " القواعد النحوية " مستنبطة من " استقراء " صنيع العرب في كلامهم .

ولذلك نرى أن نهج سيبويه في دراسة النحو منهج الفطرة والطبع والاستقراء للغة العربية من على ألسنة العـــرب وليس التفنن والاختراع في تحديد قواعد النحو .

ولهذا نقول أن منهج سيبويه اعتمد بالأساس الأول على الفطرة والسليقة العربية في وضع قواعد النحو وتحديد مخارج الحروف .

الصوت في منهجية سيبويه

ولو تركنا الخليل ذاته إلى من تأثر بمدرسته لوجدنا جهوداً صوتية متناثرة ، تستند في أغلبها إلى مبتكرات الخليل ، توافقه حيناً ، وتخالفه حيناً آخر . فأعضاء النطق مثلاً عند الخليل وعند سيبويه واحدة ، والحروف في مدارجها ، ويعني بها الأصوات تبعاً للخليل ، تبدأ بأقصى الحلق ، وتنتهي بالشفتين ، فهي عند سيبويه كما هي عند الخليل
ولكن ترتيب الحروف في كتاب سيبويه تخالف ترتيب الخليل ، فحينما وضع الخليل الأبجدية الصوتية للمعجم العربي مبتكراً لها ، خالفه سيبويه في ترتيب تلك الأصوات ، إذ بدأ بالهمزة والألف والهاء ، وقدّم الغين على الخاء ، وأخر القاف عن الكاف وهكذا . . .
يتضح هذا من ترتيبه للحروف على هذا النحو :
همزة . ا . هـ .
ع . ح . غ . خ .
ك . ق .
ض . ج . ش .
ي . ل . ر .
ن . ط . د .
ت . ص .
ز . س . ظ .
ذ . ث . ف .
ب . م . و

وهذا وإن كان خلافاً جوهرياً في ترتيب مخارج الأصوات ، إلا أنه لا يعني أكثر من العملية الاجتهادية في الموضوع دون الخروج عن الأصل عند الخليل . « كذلك نلاحظ اختلافاً واحداً في ترتيب المجموعات الصوتية بالنظر إلى تقدمها وتأخرها ، فقد جاءت حروف الصغير في كتاب العين بعد الضاد ، وهو حرف حافة اللسان ، والذي عند سيبويه بعد الضاد : حروف الذلاقة . ونتيجة لتقديم حروف الصفير ، فقد وضع مكانها حروف الذلاقة ، ومعنى ذلك أنه في العين حدث تبادل بين حروف الصفير وحروف الزلاقة .

إن الاختلاف من هذا القبيل لا يعدو وجهة النظر الصوتية المختلفة ، ولكنه لا يمانع أن تكون آراء سيبويه في الكتاب امتداداً طبيعياً لمدرسة الخليل ، نعم لا ينكر أن لسيبويه ابتكارته المقررة ، فنحن لا نبخس حقه ، ولا نجحد أهميته في منهجة البحث الصوتي ، فقد كان له فضل بذلك لا ينكر ، فتصنيفه لصفات الأصوات في الجهر والهمس والشدة والرخاوة والتوسط ، وكشفه لملامح الإطباق واللين ، وتمييزه لمظاهر الاستطالة والمد والتفشي ، كل أولئك مما يتوّج صوتيته بالأصالة .
ولسيبويه قدم سبق مشهود له في قضايا الإدغام ، وهي معالم صوتية في الصميم ، فقد قدم لها بدراسة علم الأصوات ، كما قدم الخليل معجمه بعلم الأصوات ، فالخليل قد ربط بين اللغة والصوت ، وسيبويه قد ربط بين قضايا الصوت نفسها ، لأن الإدغام قضية صوتية « ونحن نقرر هنا مطمئنين أن سيبويه قد وضع قواعد هذا البحث وأحكامه لا لفترة معينة من الزمن ،

بل يكاد يكون ذلك نهائياً ، وكان تصرفه فيها تصرفاً رائعاً ، صادراً عن عبقرية سبقت الزمن ، فلم يكن ممن جاء بعده من العلماء والباحثين إلا أن اتبعوا نهجه ، واكتفوا بما قال ، ولم يزيدوا بعد سيبويه على ما قال حرفاً ، بل أخذوا يرددون عباراته مع كتبهم ، ويصرحون بأنهم إنما يتبعون مذهبه ، سواء في ذلك علماء النحو وعلماء القراءة » (1) .
وقد يكون في هذا الحكم مبالغة ، ولكنه مقارب للحقيقة في كثير من أبعاده ، إذ كان سبّاقاً إلى الموضوع بحق .
ومما يجلب الانتباه حقاً عند سيبويه في صفات الحروف ومخارجها ، هو تمييزه الدقيق بين صفة الجهر وصفة الهمس فيما أشرنا له في الفصل السابق فمصدر الصوت المجهور يشترك فيه الصدر والفم ، ومصدر الصوت المهموس من الفم وحده ، وبمعنى آخر أن للرئتين عملاً ما في صفة الجهر ، بينما ينفرد الفم بصفة الهمس (2) .
فتعريف المجهور عنده : « حرف أشبع الاعتماد في موضعه ، ومنع النفس أن يجري معه حتى ينقضي الاعتماد عليه ، ويجري الصوت . بينما المهموس : حرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه » (3) .
وهو يعبر بالموضع هنا عن المخرج فيما يبدو ، ويجري الصوت عن الشيء الإضافي في حالة الجهر عن حالة الهمس التي يجري النفس معها لا الصوت . « وقد ظلت محاولة سيبويه تفسير المجهور والمهموس من الأصوات قانوناً سار عليه جميع من جاء بعده من النحاة والقراء . إلى أن جاءت بحوث المحدثين فصدقت كثيراً مما قاله في هذا الباب » (4) .
ومن المفيد الرجوع إلى ما فسره في هذا المجال أستاذنا المرحوم الدكتور ابراهيم أنيس فقد أشبعها بحثاً وتنويراً (5) .
____________

_________________
abdo awad
avatar
abdo awad
Admin

المساهمات : 122
تاريخ التسجيل : 14/08/2008
العمر : 63

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abdoawad2008.7olm.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى